أسعد السحمراني

37

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

الانطلاق من الدين يعني تحكيم قاعدة : الإخاء بين البشر ، ويعني أن أي تفسير لواحدة من أفرع الفلسفة الخلقية سيعتمد قاعدة الالتزام بأمر إلهي لا مناص منه ، وليس الأمر مرتبط بمصالح أنانية مادية ، فالحب يكون للّه ، والمساعدة تكون للّه ، والإخاء يكون في اللّه . . . الخ . لذلك تنجح أخلاقية الإنسان في إصلاحه ، وإصلاح مجتمعه بمقدار اعتمادها على التأمل في الذات استنادا إلى المعايير التي حدّدها الدين للأخلاق . وهذا ما جعل الدكتور السيّد محمد بدوي يقول : « إن الشعور الديني مهمته مراقبة وتوجيه الطاقة العقلية توجيها يرفعها عن عالم المادة إلى عالم الروح ، أي إنّه يحوّل الأنانية الجشعة في الإنسان إلى حبّ خالص ينتهي في أرقى درجاته إلى الحبّ الإلهي . وبقدر ما تعتمد الحاسة الخلقية على الوحي الصادر من باطن الذات نجد أن الشعور الديني يبعث فيها القوة » « 1 » . إنّ الشعور الديني المتولّد عن إيمان والتزام صحيحين لا تكون مهمتهما تحديد القيم والمثل العليا الأخلاقية فحسب ، بل يتجاوز الأمر ذلك بحيث يتحوّل هذا الشعور والالتزام إلى باعث ناشط في تحريك الإنسان باتجاه هذه المثل ، كما أنّه يصنع في داخله قانونا ذاتيا يمثّل دور الساهر على تنفيذ الأفعال وفق هذه المثل والقيم المستندة إلى الدين . لأن الإيمان الديني يفعل فعله في العقل والوجدان ، في الفكر والإحساس فيتسامى الإنسان ، بتأثير هذا الفعل ، إلى مستوى يليق بإنسانيته ، فيجعل منه شخصية متوازنة ، تعتمد فضيلة « التوسط » في كل أفعالها دون غرق في مثالية أو مادّيّة لا تقدّمان ولا تؤخّران . فالأخلاق إذن تحتاج حاجة ملحّة إلى الفعل الديني في شخصية الإنسان سواء كان فيلسوفا أخلاقيا أو إنسانا عاديا . وكلّما تعمّق فهم الإنسان للفكر الديني ، وللمبادىء السلوكية التي يفرضها الدين ، كان ذلك سبيلا إلى صلاح أخلاقه فلسفة وظواهر وأفعالا .

--> ( 1 ) بدوي ، د . السيّد محمد ، م . س ، ص 126 .